سيد قطب
1885
في ظلال القرآن
وهو أول البشر عرف حقيقة التوحيد كاملة ، وعرف نزاهة التوحيد غير مشوبة بشائبة من التعدد والتثنية ، وعرف الدينونة للّه وحده باتباع ما يتلقى منه وحده . وأنه عرّف بنيه بهذه العقيدة ، فكانت هنالك أجيال في أقدم تاريخ البشرية لا تعرف إلا الإسلام دينا ، وإلا التوحيد عقيدة . . وأنه لما طال الأمد على الأجيال المتتابعة من ذرية آدم انحرفت عن التوحيد . . ربما إلى التثنية وربما إلى التعدد . . ودانت لشتى الأرباب الزائفة . . . حتى جاءها نوح عليه السلام بالتوحيد من جديد . وأن الذين بقوا على الجاهلية أغرقهم الطوفان جميعا ؛ ولم ينج إلا المسلمون الموحدون الذين يعرفون « نزاهة التوحيد » وينكرون التعدد والتثنية وسائر الأرباب والعبادات الجاهلية ! ولنا أن نجزم أن أجيالا من ذراري هؤلاء الناجين عاشت كذلك بالإسلام القائم على التوحيد المطلق . قبل أن يطول عليهم الأمد ، ويعودوا إلى الانحراف عن التوحيد من جديد . . وأنه هكذا كان شأن كل رسول : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ » . . والذي لا شك فيه أن هذا شيء ، والذي يقرره علماء الأديان المقارنة ويتابعهم فيه مؤلف كتاب : « اللّه » شيء آخر . وبينهما تقابل تام في منهج النظر وفي النتائج التي ينتهي إليها . . وآراء الباحثين في تاريخ الأديان ليست سوى نظريات يعارض بعضها بعضا ، فهي ليست الكلمة النهاية حتى في مباحث البشر الفانين ! وما من شك أنه حين يقرر اللّه - سبحانه - أمرا يبينه في كتابه الكريم هذا البيان القاطع ، ويقرر غيره أمرا آخر مغايرا له تمام المغايرة ، فإن قول اللّه يكون أولى بالاتباع . وبخاصة ممن يدافعون عن الإسلام ؛ ويكتبون ما يكتبون بقصد دفع الشبهات عنه وعن أصل الدين جملة . . وأن هذا الدين لا يخدم بنقض قاعدته الاعتقادية في أن الدين جاء وحيا من عند اللّه ، ولم يبتدعه البشر من عند أنفسهم ؛ وأنه جاء بالتوحيد منذ أقدم العصور ولم يجئ بغير التوحيد في أية فترة من فترات التاريخ ، ولا في أية رسالة . كما أنه لا يخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء الأديان المقارنة وبخاصة حين يعلم أن هؤلاء إنما يعملون وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية لدين اللّه كله ؛ وهي أنه وحي من اللّه ، وليس من وحي الفكر البشري المترقي المتطور ! وليس وقفا على ترقي العقل البشري في العلم المادي والخبرة التجريبية ! ولعل هذه اللمحة المختصرة - التي لا نملك الاستطراد فيها في كتاب الظلال - تكشف لنا عن مدى الخطورة في تلقي مفهوماتنا الإسلامية - في أي جانب من جوانبها - عن مصدر غير إسلامي . كما تكشف لنا عن مدى تغلغل مناهج الفكر الغربية ومقرراتها في أذهان الذين يعيشون على هذه المناهج والمقررات ويستقون منها . حتى وهم يتصدون لرد الافتراءات عن الإسلام من أعدائه . . « إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » . . ونقف وقفة أخرى مع قصة نوح . . نقف مع نوح وابنه الذي ليس من أهله ! إنها وقفة على معلم واضح بارز في طبيعة هذه العقيدة وفي خطها الحركي أيضا . . وقفة على مفرق الطريق تكشف معالم الطريق . . « وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ، فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ . وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ، وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ . . . »